عبد الكريم الخطيب
886
التفسير القرآنى للقرآن
للأخلاق . . الجانب السلوكى ، الذي لا يغنى في تعديله وتقويمه ، الجدل الفلسفي ، أو النظر المنطقي ، وإنما الذي يرجى منه النفع في هذا المقام ، هو إثارة مشاعر السموّ النفسي في الإنسان ، ووصله بالمجتمع الإنسانى بصلات الأخوة ، والحنان والرحمة . . فذلك هو الذي يقيم من الإنسان إنسانا صالحا في بناء مجتمع صالح . فالقرآن الكريم يحضّ على الأعمال الصالحة ويزكيها ، ويرفع منازل أهلها ، وبعدهم بجنات اللّه ورضوانه عليها . . يذكر القرآن الكريم « التقوى » في مواضع كثيرة ، مثل قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ » . . ( 70 - 71 : الأحزاب ) فما هو العمل الصالح ؟ وما هي التقوى ؟ وما القول السديد ؟ . . كل ذلك لم يشأ القرآن الكريم أن يعرض له بالكشف عن « ماهيته » ورسم حدوده . . نعم ، هناك أمور واضحة صريحة في باب الخير ، كما أن هناك أمورا واضحة صريحة في باب الشر . . ولكنها على هذا الوضوح ، ومع تلك الصراحة ، لا تقع من النفوس موقعا واحدا . . فإذا اتفقت النفوس على أن العدل جميل . . فإنه في نفس عمر بن الخطاب مثلا ، غيره في نفس كثير من الناس . . هو خير لا شك فيه . . تدعو إليه الشريعة وتأمر به ، وتثيب عليه . . ولكنها لا تستطيع أن تضعه في معادلة جبرية . أو تحلله تحليلا كيماويا . . إنه العدل ، وكفى ! وإنه الخير وكفى ! « الحلال بيّن ، والحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات » هكذا يقول الرسول الكريم . . وليست الشبهة في الحلال في ذاته ، أو الحرام في ذاته ، وإنما تقع الشبهة في الملابسات التي تلابس الحلال أو الحرام ، وفي الوضع الذي يكون عليه الإنسان إزاء ما هو حلال وحرام . . ! أتترك الأمور إذن بلا ضابط هكذا ؟ . .